عبد الشافى محمد عبد اللطيف
309
السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي
البداية ؛ فلما قامت الدولة العباسية زاد الاهتمام بالعلوم غير الإسلامية بحكم التطور ، وحدثت وثبة علمية من أعظم الوثبات في تاريخ الأمم والحضارات ، فأنشأ الخليفة هارون الرشيد بيت الحكمة في بغداد ، وهي أول أكاديمية علمية - فيما نظن - تعنى بالعلوم والترجمة ، وقد حشد لها الرشيد ومن أتى بعده من الخلفاء جمعا من أعظم العلماء النابهين في ترجمة الكتب ، وكان جلهم من السريان المسيحيين « 1 » ، وجد الخلفاء العباسيون في البحث عن المخطوطات الإغريقية في شتى العلوم في كل مكان استطاعوا الوصول إليه ، ومن أجل هذا أوفدوا الوفود والبعثات العلمية إلى الدولة البيزنطية للحصول على الكتب وإحضارها إلى بيت الحكمة وترجمتها ، ولم يكتفوا بما حصلوا عليه من المراكز العلمية التي أصبحت تحت أيديهم ، بل دأب الخلفاء على إيفاد البعثات لطلب الكتب من الأباطرة البيزنطيين ، فقد أرسل الخليفة أبو جعفر المنصور ( 136 - 158 ه / 758 - 774 م ) إلى الإمبراطور البيزنطي يطلب كتبا يونانية ، فأجابه الإمبراطور إلى طلبه وأرسل إليه كتبا كان منها كتاب إقليدس « أصول الهندسة » « 2 » . ومن أهم البعثات العلمية التي ذهبت من بغداد إلى البلاد البيزنطية للبحث عن الكتب تلك التي رأسها قسطا بن لوقا ، الذي يقول عنه القفطي : « قسطا بن لوقا فيلسوف شامي نصراني في أيام العباسيين ، دخل بلاد الروم ، وحصل من تصانيفهم الكثير ، وعاد إلى الشام ، واستدعي إلى بغداد ليترجم كتبا يستخرجها من لسان يونان إلى لسان العرب ، وعاصر يعقوب الكندي ، وكان قسطا متحققا بعلم العدد والهندسة والنجوم والمنطق والعلوم الطبيعية ، ماهرا في صناعة الطب » « 3 » . ولقد بلغت حركة البحث عن الكتب اليونانية وإيفاد البعثات إلى الدولة البيزنطية من أجل الحصول عليها أوجها في عهد الخليفة المأمون ، الذي كان نسيج وحده في حب العلم والثقافة بعامة ، والثقافة اليونانية بخاصة ، وإذا كان المثل الشائع يقول : « الناس على دين ملوكهم » فلقد صدق هذا المثل على الخليفة المأمون حيث تأثر به الناس في تطلعه للعلم وسرت عدواه فيهم ، أفرادا وجماعات ، وانكبوا على العلم
--> ( 1 ) د . إبراهيم العدوي الدولة الإسلامية وإمبراطورية الروم ، مكتبة الأنجلو المصرية - الطبعة الثانية - القاهرة 1958 م ( ص 168 ) . ( 2 ) ابن خالدون - المقدمة ( بتحقيق الدكتور علي عبد الواحد وافي ) ( ص 1124 ) . ( 3 ) ابن القفطي - تاريخ الحكماء ( ص 262 ) .